لماذا هذا الحقد الدفين على شخصية ستالين والهجوم على تاريخه الثوري


منقول :

رغم مرور مائة وثلاثين عاماً على ولادته و /56/ عاماً على وفاته، لم تتوقف، ولا للحظة واحدة أبواق الدعاية الصفراء البرجوازية والانتهازية والتحريفية من كل صنف ولون بمن فيهم الاشتراكيين الديمقراطيين الذين ما زالوا يسمون أنفسهم شيوعيين، من شن أبشع الحملات على ستالين وما يسمى بـ «الستالينية» في محاولة منهم لتشويه صورة هذا الرجل الثوري العظيم، هادفين من وراء ذلك الإساءة إلى الفكر الماركسي ــ اللينيني الذي حرص ستالين حتى آخر لحظة من حياته الدفاع عن نقاوته وثوريته، ومن خلال التهجم على ستالين يصلون للتهجم على لينين ومن ثم على الفكر وعلى الاشتراكية والاتحاد السوفييتي.
ويصبح مشروعاً ومنطقياً طرح السؤال التالي:
أليس مدعاة للتفكير والتأمل لماذا هذا الحقد الدفين على شخصية ستالين والهجوم على تاريخه الثوري من قبل أعداء الشيوعية؟

أليس محقاً السؤال لماذا كل هذه الافتراءات والأكاذيب عن نشاط وحياة ستالين من قبل الانتهازيين والتحريفيين والمرتدين؟
بداية نشاطه الثوري ...
عرف عن الطفل يوسف (ستالين) في السنوات الأولى للمدرسة الابتدائية، بأنه يتمتع بذكاء حاد وذاكرة خارقة، رشح للمدرسة الاكليركية في تبليسي وهي الأهم آنذاك في جورجيا، وانضم إليها بوصفه (التلميذ الأفضل). عندما بلغ الخامسة عشر من عمره اتصل ستالين بالحلقات الماركسية السرية، واشتهر ستالين في شبابه بالمعرفة السياسية الواسعة والثقافة التقدمية، وذاكرة قوية، وبفضل نهمه الشديد للمطالعة، أصبح الأكثر ثقافة واطلاع بين رفاقه وزملاءه.
في عام /1900/ بمناسبة الأول من أيار، ألقى ستالين خطبة حماسية أمام اجتماع عمالي سري ضم مئات العمال. وعندما انفجرت موجة من الإضرابات العمالية بعد ذلك بقليل، كان ستالين أحد المنظمين الرئيسيين لهذه الإضرابات العمالية.
في بداية عام /1901/ وزع ستالين العدد الأول من صحيفة «إيسكرا (الشرارة)» السرية التي كان لينين يصدرها في الخارج .. وفي الأول من أيار /1901/، نظم ستالين مظاهرة مفتوحة في تبليسي شارك فيها أكثر من ألف عامل، وقوبلت بالقمع البوليسي واستخدام العنف وكتب لينين في الإيسكرا «بأن هذا الحدث يرتدي «أهمية تاريخية» بالنسبة إلى القوقاز بأسره». وقاد ستالين وكيتشوفيللي وكراسين الجناح الثوري في الحزب الاشتراكي ــ الديمقراطي في جورجيا ــ وأعادوا طبع «الإيسكرا» وحمل لواء الدفاع عن الوحدة الأممية للحزب.
في تشرين الثاني عام /1901/، انتخب ستالين في عضوية اللجنة المنطقية لمنظمة تفليس لحزب العمال الاشتراكي ــ الديمقراطي الروسي. وفي شباط عام /1902/ نظم ستالين إحدى عشرة حلقة سرية داخل المشاريع الصناعية الرئيسية في مدينة باتوم، وفي /27/ شباط اشترك ستة آلاف عامل من شتى معامل المدينة في مسيرة تظاهرية في قلب المدينة، وفتح الجيش نيران بنادقه على المتظاهرين، فسقط خمسة عشر قتيلاً منهم واعتقل خمسمائة عامل. بعد شهر تماماً اعتقل ستالين نفسه، وبقي رهن الاعتقال حتى نيسان /1903/، وحكم بثلاث سنوات في سيبيريا، ولكنه تمكن من الهرب وعاد إلى تبليسي في شباط عام /1904/. أثناء إبعاده في سيبيريا، أرسل رسالة عبّر فيها عن دعمه لمواقف لينين. وعندما انشق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي في المؤتمر الثاني للحزب، آب /1903/ إلى بلاشفة ومناشفة، انحاز المندوبون الجورجيون إلى صف المناشفة، أما ستالين الذي قرأ كتاب لينين «ما العمل» انحاز إلى صف البلاشفة دون أدنى تردد. وكان قرار ستالين شجاعاً بانحيازه إلى جانب لينين، لأن البلاشفة كانوا قلة في ما وراء القوقاز. دافع ستالين في كراسه «الثورة المسلحة وتكتيكنا» عن ضرورة النضال المسلح في سبيل القضاء على القيصرية، معارضاً طروحات المناشفة.
في كانون الأول عام /1905/، التقى ستالين بلينين لأول مرة في مؤتمر البلاشفة الذي انعقد في فنلندا. وكان عمره ستة وعشرون عاماً.
في /1907 ــ 1908/ أصبح ستالين أحد قادة مكتب نقابة عمال النفط، واستطاع انتزاع حق انتخاب ممثلي العمال، وفي المؤتمر العمالي النقابي طرحت اتفاقية تتناول زيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، وقد حيّا لينين هذا النضال رغم أن تلك السنوات كانت سنوات التراجع للحركة الثورية، حيث أوقفت نشاطات معظم الخلايا الثورية في روسيا. وبعد ذلك اعتقل ستالين مرات كثيرة جراء نشاطه الواسع في الحركة العمالية وقيادته الإضرابات العمالية.
في كونفرانس براغ للحزب انتخب ستالين عضواً في اللجنة المركزية للبلاشفة رغم وجوده في المنفى، وبعد هروبه من النفي عاد إلى باكو، وفي /22/ نيسان /1912/ أصدر في سانت بطرسبورغ الطبعة الأولى من «البرافدا» الصحيفة البلشفية. وأصبح عضواً في رئاسة تحريرها.
عندما دعا لينين إلى القطيعة الفورية مع المناشفة، استدعى لينين ستالين وغيره من المسؤولين إلى منفاه، لشرح وجهة نظره هذه، وأرسل ستالين إلى فيينا كي يتفرغ لكتابة مؤلفه «الماركسية والمسألة القومية» الذي ما زال مرجعاً أساسياً للشيوعيين في هذا المجال، وقد أشاد لينين بهذا المؤلف إشادة عالية.
ودافع عن فكرة لينين بإمكانية انتصار الاشتراكية في بلد واحد في روسيا، داحضاً فكرة تروتسكي القائلة «بأن أوروبا وحدها هي التي بمقدورها أن ترشدنا إلى الطريق». وصرح «لا يمكننا أن نستبعد إمكانية أن تكون روسيا هي البلد التي ستفتح الطريق نحو الاشتراكية».
أحد قادة الثورة البارزين ...
عندما اندلعت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في الخامس والعشرين من أكتوبر كان ستالين واحداً من أعضاء المركز العسكري الثوري، الذي كان يضم خمسة أعضاء من اللجنة المركزية، وقد عارض كل من كامينيف وزينوفييف استلام السلطة من قبل البلاشفة، وأباحوا بسر التحضير للثورة في الصحف الحكومية آنذاك.
وبعد الثورة أصبح دعاة قيام حكومة ائتلاف تضم المناشفة والاشتراكيين الثوريين من بين أعضاء الحزب البلشفي «البلاشفة اليمينيين» الذين تراجعوا عن موقفهم عندما هددوا بالفصل من الحزب. أعداء للثورة فيما بعد، وهاجمهم لينين بقوة ومن ثم ستالين.
أصبح ستالين مفوض الشعب الأول لشؤون القوميات، وأدرك بسرعة، بأن البرجوازية العالمية ستدعم البرجوازيات المحلية للأقليات القومية. وكتب يقول: «إن حق تقرير المصير، ليس حقاً من حقوق الطبقة البرجوازية، وإنما هو حق جماهير العمال في أي أمة من الأمم. ينبغي أن يستخدم مبدأ حق تقرير المصير كأداة للصراع من أجل الاشتراكية. ولابد أن يكون هذا الحق خاضعاً للمبادئ الاشتراكية».
لقد كان ستالين دائماً نصيراً موالياً للخط السياسي الذي أرساه لينين ودافع عنه بصلابة لا تلين في وجه جميع أعدائه. وهذا ما دفع تروتسكي لمهاجمة ستالين ومحاولة تشويه ماضيه الثوري بصورة منهجية. وقد استقى جميع الكتاب البرجوازيين والانتهازيين والتحريفيين لاحقاً، تشنيعاتهم على ستالين من تروتسكي.
وذات مرة كتب تروتسكي: «بالنسبة للمسائل اليومية، كان لينين يوكل الأمور إلى ستالين وزينوفييف وكامينيف، إذ لم أكن قط ملائماً للقيام بمثل تلك المهمات، كان لينين، بحاجة في الميدان العملي، إلى مساعدين طيعين لأداء مثل هذا الدور، ولم أكن مؤهلاً لذلك على الإطلاق». ومثل هذا الكلام، في الحقيقة لا يسيء إلى ستالين اطلاقاً بل يسيء إلى تروتسكي كلياً. فهو يسقط على لينين تصوره الارستقراطي والبونابرتي الخاص به عن الحزب: قائد محاط بمعاونيين طيعين يعالجون المسائل اليومية المستجدة.
طوال فترة الحرب الأهلية، كان ستالين يقود النضال المسلح، في المواقع الأشد خطورة، وعندما اقترح تروتسكي عام /1919/ «عسكرة الحياة الاقتصادية» وتحويل الحركة النقابية إلى مجال يشبه المجال العسكري ــ آنذاك صرح لينين بأن تروتسكي قد ارتكب أخطاء تعرض ديكتاتورية البروليتاريا للخطر من جراء مضايقاته البيروقراطية للنقابات وهو يجازف بشق حزب الجماهير العمالية. إن فردية تروتسكي، واحتقاره العلني للكوادر البلشفية، وأسلوبه في القيادة المستبدة، ونزوعه إلى الانضباط العسكري المفتعل. قد أثار القلق لدى العديد من الكوادر الحزبية، وكانوا يرون بأن من الممكن فعلاً لتروتسكي أن يلعب دور نابليون بونابرت، وأن يقوم بانقلاب عسكري ويؤسس نظاماً استبدادياً مضاداً للثورة.
الأمين العام ...
كان ستالين في نظر لينين صاحب المهمات الصعبة الموثوق فيه حتى النهاية، في /23/ نيسان /1922/ اقترح لينين تعيين ستالين أميناً عاماً للجنة المركزية إلى جانب مهامه الأخرى الكثيرة، فهو الوحيد الذي يشارك في عضوية المكتب السياسي والمكتب التنظيمي، وسكرتارية الحزب البلشفي ويقود مفوضية القوميات ومفتشية العمال والفلاحين (المكلفة بالرقابة على جهاز الدولة بأسره).
وعندما بدأ لينين يعاني من المرض الشديد منذ عام /1922/، وإصابته بالشلل في يده ورجله اليمينيتين. نصح الأطباء أن يبقى في السرير وضرورة أن ينقطع عن العالم الخارجي، وحظر الأطباء أي إزعاج له، حتى حظر عليه أي نشاط سياسي حتى يتحسن وضعه، رغم إحساس لينين بأن أجله بدأ يقترب، في كانون الأول عام /1922/ تدهورت صحة لينين من جديد، وحظر المكتب السياسي على لينين كل عمل سياسي مرهق. وسهر ستالين على صحة وراحة لينين.
لقد برز ستالين كقائد شيوعي الأشد نقاوة ونصاعة، فهو لم يلطخ سجله السياسي بأي لطخة ــ كما قال المفكر الكاتب الغربي ــ بان غرين.
بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ...
بعد الخروج من جحيم الحرب الأهلية، ورث البلاشفة بلداً مدمراً كلياً، وحل بالصناعة، بعد ثماني سنوات من الحرب خراب شامل. وكانت البنوك والمؤسسات الكبرى قد جرى تأميمها، واستطاع الاتحاد السوفييتي في مدة زمنية قياسية وجهد استثنائي أن يوقف الآلة الصناعية المتهالكة على قدميها من جديد.
في عام /1928/، تجاوز إنتاج الحديد والفحم والإسمنت وصناعة النسيج والأدوات الآلية، المستوى الذي كان عليه قبل الحرب، واستطاع الاتحاد السوفييتي إرساء قواعد صناعة حديثة بالاعتماد أساساً، على الطاقات الداخلية في البلاد. وتجندت البلاد بأسرها، لإنجاز الخطة الخمسية التي تمحورت حول التصنيع. لقد مثل التصنيع الاشتراكي العتلة الرئيسية في بناء الاشتراكية، وأصبح كل شيء منوطاً بنجاحه. وجعل هذا النجاح إمكانية وضع الأسس المادية للاشتراكية. فالتصنيع أتاح تحويل الزراعة جذرياً إلى قاعدة المكننة والتقنية الحديثة ــ وهو الذي دشن مستقبل الوفرة المادية والثقافية للكادحين، وقدم الوسائل الكفيلة بنجاح ثورة ثقافية حقيقية.
وخلق البنية التحتية لدولة حديثة قوية. وهو الذي وفر للدولة السوفييتية الأسلحة الحديثة من أجل الدفاع عن الوطن الاشتراكي واستقلاله ضد القوى الإمبريالية العدوانية والفاشية.
في عام /1931/ أوضح ستالين لماذا يجب على البلاد إنجاز عملية التصنيع بالسرعة البالغة، فقال: «هل تريدون أن تحيق الهزيمة بوطنكم الاشتراكي، ويفقد استقلاله؟ لقد تأخرنا خمسين إلى مئة سنة عن البلدان المتقدمة. وينبغي علينا قطع هذه المسافة خلال عشر سنوات. فإما أن ننجز هذه المهمة، أو أن ننسحق لا محالة».
خلال الثلاثين سنة من قيادة ستالين للاتحاد السوفييتي حاول الهتلريون الألمان مثلما حاول الإمبرياليون الفرنسيون والإنكليز من قبلهم تشويه عملية التصنيع في الاتحاد السوفييتي، وأطلقوا عليها تسمية «الإرهاب» الذي رافق «التصنيع القسري» وفي الواقع كان الإمبرياليون جميعاً يحقدون على الاتحاد السوفييتي ويحلمون بالثأر لهزيمتهم في أعوام /1918 ــ 1921/، حين تدخلوا عسكرياً في الاتحاد السوفييتي، وما كان ممكناً تحقيق الثأر إلا إذا كان الاتحاد السوفييتي هشاً ومتخلفاً يسهل تحطيمه. وهذا ما دفع ستالين لوضع البلاد على سكة الاقتصاد القوي والتصنيع المتطور والسريع، لأن شبح التهديد الرهيب بالحرب والعدوان يحوم فوق البلد الاشتراكي الأول، ولهذا طالب العمال ببذل جهود استثنائية. لقد استطاع الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين تنظيم عشرات الملايين من العمال والفلاحين للبناء والتصنيع الاشتراكي. لقد نجح ستالين في إنجاز هذه المهمة بنجاح غير متوقع.
في نهاية عام /1932/ تضاعفت قوة العمل الصناعي قياساً إلى عام /1928/، وبلغت ستة ملايين عامل. واتسم البناء بالبطولة في العمل والحماس والروح القتالية ــ لقد أنجز البلاشفة بقيادة ستالين ما كان حلماً قبل سنوات قليلة بعد انتصار ثورة أكتوبر.
كتب الكثير من الكتاب الغربيين الشرفاء الحياديين عن «معجزة التصنيع» ومكننة الزراعة بأنها «معجزة ستالين» لأن هذه القفزة الهائلة في البناء في جميع مجالات الإنتاج الصناعي والعسكري يعود الفضل فيها لحكمة ستالين السياسية ولصلابته ودأبه، ورغم الصعوبات الهائلة، كان ستالين مصمماً على خلق قوة صناعية ثقيلة، وخلق تلك الصناعة في الأورال وسيبيريا بعيداً عن متناول الأعداء الإمبرياليين، وكان على روسيا أن تنتج كل شيء بنفسها وأمنت بذلك استقلالها التقني والعسكري. ونهضت الصناعة السوفييتية من دون اللجوء إلى رأس المال الأجنبي تقريباً».
وفي أثناء التصنيع تم تكريس الجهد الأساسي لخلق الشروط التي تكفل الحرية والاستقلال للوطن الاشتراكي، وفي الفترة نفسها أرسى النظام الاشتراكي قواعد مجتمع الرفاه والازدهار المستقبلي.
المجمع الزراعي التعاوني في الريف...
شكلت عملية التجميع الزراعي التي بدأت عام /1929/ مرحلة استثنائية في الصراعات الطبقية المعقدة في الريف السوفييتي وكانت الصراعات ضارية، بين البرجوازية الريفية البروليتاريا والفلاحين الفقراء. لقد دمر التجمع الزراعي القاعدة الاقتصادية للطبقة البرجوازية الأخيرة في الاتحاد السوفييتي، تلك الطبقة التي كانت تولد دوماً من رحم الإنتاج الصغير، والسوق الحر في الريف.
وأنجز التجميع انقلاباً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ووضع جماهير الفلاحين على طريق الاشتراكية. ولم يصل الاتحاد السوفييتي إلى ذلك، إلا بعد صراع طويل وقاس بين طبقة الفلاحين الأغنياء (الكولاك) وبين الفلاحين الفقراء الذين قادهم الحزب الشيوعي البلشفي نحو حسم المعركة لصالح الاشتراكية.
لقد أعلنت اللجنة المركزية للحزب نهاية العلاقات الرأسمالية في الريف فاندفع الكولاك بشكل مستميت لتقويض تجربة التعاونيات الزراعية.
كان رجال الكولاك يحرقون المحاصيل ويشعلون النار في صومعات الحبوب وفي المنازل والمباني، ويقتلون المناضلين الحزبيين. لقد صمموا على أن يجعلوا من المستحيل نجاح تجربة المزارع الجماعية، وذلك بتدميرهم جزءاً أساسياً من القوى الإنتاجية في الريف، ولأن العمل في الأرض كان لا يزال يعتمد على حيوانات الجر بشكل كامل، فقد أباد الكولاك نصفها، وفضلوا قتل ماشيتهم على تسليمها إلى الملكية الجماعية، ويحرضون الفلاحين المتوسطين للقيام بنفس فعلهم. وعلى سبيل المثال، قضى الكولاك على /19/ مليون من الخيول من أصل /34/ مليوناً كانت تمتلكها البلاد، عام /1928/. ومن بين /70.5/ مليوناً من الأبقار، لم يبقَ حياً منها سوى /40.7/ مليوناً عام /1932/، ومن بين /31/ مليون بقرة حلوب بقي /18/ مليوناً.
ولم يكن تجاه هذا الواقع سوى تصفية الكولاك كطبقة وإرغامهم على مغادرة مسرح التاريخ، وهذا ما كان ممكناً دون مجابهة من أشرس المجابهات.
لقد حاول أعداء الشيوعية والانتهازيين اليمينيين استغلال الأخطاء والتجاوزات التي حدثت أثناء عملية الانتقال إلى التعاونيات. وتحميل قيادة الحزب وستالين مسؤولية هذه الأخطاء. بعد طرده من الاتحاد السوفييتي، اتخذ تروتسكي مواقف مناهضة للمواقف التي تبناها الحزب. ففي شباط عام /1930/ أدان تروتسكي حركة التعاونيات، ونزع الكولاكية، واصفاً إياها بأنها «مغامرة بيروقراطية» وتحدث في آذار من نفس العام بأن محاولة بناء الاشتراكية في بلد واحد، على قاعدة المعدات والأدوات المتخلفة للفلاح الروسي محكومة بالفشل.
لقد شن تروتسكي حملة ضد السلطة السوفييتية واعتبر نفسه يمثل «اليسار»، اليسار الذي لم يكن يختلف عن الحملات المنطلقة من أفواه الانتهازيين اليمينيين. ودعا أنصار تروتسكي إلى الإطاحة بـ «القيادة الوسطية»، التي يقودها ستالين، ولكن بالرغم من مقاومة الأعداء الطبقيين، كان المحصول رائعاً عام /1930/، وحققت التعاونيات (الكولخوزات، السوفخوزات) نسبة /28.4%/ من الإنتاج الزراعي الإجمالي مقابل /7.6%/ للعام السابق أي عام /1929/.
لقد أنقذت التعاونيات الاشتراكية في الريف وفي الاتحاد السوفييتي ككل، وضمنت إنتاجية عالية لبت احتياجات المجتمع السوفييتي وفسر الانتهازيون قصداً عبارة تصفية الكولاك التي تعني إنهاء الاستغلال من النمط الرأسمالي المرتبط بالكولاك، وكأنه تصفية جسدية للكولاك، وهذا افتراء وقح على قيادة الحزب والدولة السوفييتية بقيادة ستالين. ولم يقم الحزب والسلطة السوفييتية بإعدام إلا من ارتكب جرائم قتل وأعمال إرهابية معادية للثورة.
وفي هذه الظروف التي شهد فيها الريف صراع طبقي دامي وحاد، ولكنه قلب أوضاع الريف المتخلف والبدائي، حيث خرج /120/ مليون فلاح من ظلام القرون الوسطى وتحرروا من عبودية رأس المال ومن الجهل والأمية والعقلية الظلامية. وبهذه الطريق وطريق مكننة الزراعة الاشتراكية، بات الفلاحون يعيشون حياة حرة كريمة متنورة.
كسر شوكة الانتهازية في الحزب ...
طوال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، لم يتوقف ستالين وقادة البلاشفة الآخرين، عن خوض نضال لا هوادة فيه ضد الانتهازيين داخل الحزب، وشكل كسر شوكة ممثلي التيارات الانتهازية داخل الحزب محوراً أساسياً في عمل ستالين وفي مقدمة هؤلاء تروتسكي وزينوفيف وكامينيف ومن ثم بوخارين. تمحور نضال الحزب بقيادة ستالين حول دحض الفكرة المنشفية التي دافع عنها تروتسكي وهي استحالة بناء الاشتراكية في بلد واحد، وتبنى موقفه زينوفييف وكامينييف، هذه الأفكار الانهزامية والاستسلامية، رفضها الحزب وقواعده، وفي الانتخابات الحزبية لم ينل هؤلاء سوى /6000/ صوت من بين /725000/ عضو من الحزب، وأعلنت اللجنة المركزية بأن المعارضة داخل الحزب التي يتزعمها تروتسكي والتي تقف صفاً واحداً مع أعداء الاتحاد السوفييتي دحضت داخل الحزب، وبعد ذلك قدم عدد من الزينوفييفيين نقداً ذاتياً مكتوباً، فأعيد إدماجهم في داخل ثم تبعهم قادتهم زينوفييف وكامينيف وغيرهم. وأقر عدد من التروتسكيين بأنهم أخطأوا أما تروتسكي فقد واصل معارضته، لذلك لم يكن من حل سوى نفيه خارج الاتحاد السوفييتي. واضطر الحزب وستالين للنضال ضد الانحراف اليميني الذي مثله بوخارين وخاصة الذي ظهر أثناء ثورة التعاونيات، حيث دعا بوخارين إلى سياسة اشتراكية ديمقراطية تقوم على فكرة المصالحة بين الطبقات، ودافعوا عن فكرة تطور طبقة الكولاك في الريف، ونادوا بإبطاء وتيرة التصنيع في البلاد. ولوحظ أن عدداً من «المعارضين اليساريين» أبرموا تحالفاً تآمرياً مع بوخارين اليميني بهدف الإطاحة بستالين والقيادة اللينينية، وفي عام /1933/ رفضت قواعد الحزب هذا التحالف وألحقت به هزيمة تنظيمية وفكرية وسياسية، جراء تحقيق الانتصارات الباهرة والرائعة في بناء الاشتراكية.
في تقريره إلى المؤتمر السابع عشر، المقدم في /26/ كانون الثاني عام /1934/ عرض ستالين الإنجازات الكبيرة في مجال التصنيع، والتعاونيات الزراعية والارتقاء الثقافي. وبعد أن أشار إلى الانتصار السياسي على المجموعة التروتسكية وعلى القوميين البرجوازيين قال: «أما المجموعة المضادة للينينية، من المحرضين على الانحراف اليميني فقد اندحرت وتشتت شملها. وتخلت منظماتها عن طريقتها في رؤية الأمور، وهي الآن تسعى بكل الوسائل للتكفير عن ذنوبها أمام الحزب». ولكن الانتهازيين لم يلقوا بأسلحتهم. وروجوا لفكرة أنه لم يعد ثمة صراع طبقي ما دامت الطبقات قد اندحرت في الاتحاد السوفييتي، وبالتالي توصلوا إلى استنتاج بأنه لم يعد ثمة ضرورة لديكتاتورية البروليتاريا أي للدولة. ولكن ستالين دحض الفكرة وناضل ضدها. لقد سمح ستالين، بصبر وتسامح لعديد من المعارضين العودة إلى مواقعهم في الحزب، ولم يمنع أحد داخل الحزب من التعبير الحر عن آرائه، ورغم ذلك اتهم بأنه نشر «الطغيان والاستبداد» داخل الحزب.
في كانون الأول عام /1934/ اغتيل الرجل الثاني في القيادة كيروف، داخل مكتبه في لينينغراد، كان القاتل يدعى نيقولاييف وهو من المفصولين من الحزب ولكنه احتفظ ببطاقته الحزبية فدخل إلى مكتب كيروف واغتاله، وروجوا بأن ستالين هو الذي قتل كيروف ونشرت هذه الرواية الملفقة في أوروبا عبر المنشق أورلوف عام /1953/. حين وقع الحادث كان أورلوف في إسبانيا. وبعد سنوات حتى أعداء ستالين اضطروا للاعتراف بأن ستالين ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمقتل كيروف.
وكان هذا الحادث دافعاً للبحث عن من يقف وراء اغتيال كيروف، وتبين أن منظمة سرية تم تأسيسها عام /1932/ هي التي دفعت نيقولاييف لاغتيال كيروف وكان في عداد المنظمة زينوفييف وكامينيف. لقد ركز تروتسكي وزبانيته جل هجومهم على ديكتاتورية البروليتاريا التي طالب بالتخفيف منها وإنهائها في الاتحاد السوفييتي، وهذه الأفكار شكلت الأرضية الفكرية والسياسية لنيكتيا خروتشوف وفيما بعد غورباتشوف للقضاء على الدولة الاشتراكية. والعداء السافر للشيوعية. ولم يتوقف التآمر من قبل تروتسكي وبوخارين ضد السلطة السوفييتية، فتروتسكي طالب بتصفية الكومنترن والقضاء على الأحزاب الشيوعية التي مهدت حسب وصفه لظهور الفاشية في ألمانيا. ونادى بوخارين بتعدد الأحزاب داخل الاتحاد السوفييتي وحتى إنشاء أحزاب قومية واستقلالية مطلقة للجمهوريات السوفييتية، وإنهاء المركزية في البناء الاشتراكي الخ. واعترف بوخارين بارتكاب المؤامرات ضد السلطة السوفييتية. والجميع يعرف المؤامرة داخل الجيش ومؤامرة الأطباء لاغتيال القادة البلاشفة وقلب السلطة السوفييتية

شارك الموضوع

إقرأ أيضًا